أبي طالب المكي
87
علم القلوب
أَجْمَعِينَ [ الأنعام : 149 ] . وقال يحيى بن معاذ : لقنهم بأنه ربهم حتى قالوا : بلى ، وقيل : القدرة أجابت عن القدرة ، ويقال : أجابوا على حد الفناء « 1 » ، كما قال بعضهم في ذلك : دونك يفنى وأنت تبقى * يا من به إن فنيت أبقى لكنني في هواه فانى * فلم أزل باقيا موقى والآية سبعون حرفا ، لكل حرف نوع من العلم ، وفيه معاملة العبد مع ربه ، من تفكر فيه عقل المراد منه . قال سهل : خاطبهم الحق ، وهم يعقلون عنه الخطاب ، ويفهمون منه المراد ، تثبت على أمثالهم الحجة ، وكان ذلك العقل من وصف قدرته ، وحجة على من خالفه وعبد غيره . وقال أبو يزيد : شهوتي ومناي أن أقول مرة : لا إله إلا اللّه ، بغيبوبة أبى يزيد ، عن أبي يزيد ، وحضور يزيد مع لا إله إلا اللّه بقيا [ م ] أبى يزيد مع [ اللّه ] ، كما جرى له في الذر مع اللّه حين أقر ببلى ، فكان إقراره للرب بالربوبية ، و [ ل ] لنفس بالعبودية ، ثم غاب عن الإقرار وبقي التوحيد مجردا للواحد الفرد . وقيل : لما أظهر اللّه الخلق في العدم بعدما كانوا موجودين في علمه ، قلبهم تسع تقليبات آخرهم بالقدرة من الجانبين ، ثم بثهم في الهواء ، ثم عرضهم ، ثم استنطقهم ، فأقروا ، فسجدوا ، فكتب بينه وبينهم ، فأشهد عليهم ، ثم رش عليهم [ من نوره ] ، ثم جمعهم وردهم إلى الصلب ، وكانت كلمة الاستقرار « 2 » ظاهرها
--> ( 1 ) الفناء اندراج جميع الموجودات في أصل العلم الذي صدرت عنه ، وبما أن الاسم هو المسمى بالنسبة للذات الأقدس ، فإن جميع ألوان الوجود هي لا شئ ، ولا موجودة بحق إلا اللّه ، ونوجه طلاب الطريق نحو هذا المشهد ، والاستفاضة منه بالطرق المقررة في التصرف ينتج مقام الفناء . ( 2 ) كلمة الاستقرار أي طلب الإقرار ، ومعنى أن ظاهرها للحق وباطنها للخلق ، أن الربوبية التي طلب الإقرار لها لا تحقق إلا برب وعبد ، فلا ربوبية بدون عبودية ، ولا عبودية بدون ربوبية ، فظاهر طلب الإقرار للّه تعالى ، وباطنه طلب العبد من الرب تلقين التوحيد ليوحده بتوحيده تعالى لنفسه ، وكلمة الإقرار وهي بَلى باطنها للحق ، أي أنها صادرة عنه تعالى لينطق بها عبيده حتى تتحقق العبودية والربوبية ، ولكن ظاهر نطقها كان للخلق ، وهو الذي أنطقهم سبحانه وتعالى .